ابن تيميه
69
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
[ الأنعام : 119 ] الآية . وقال تعالى : فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى قوله : بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [ القصص : 49 ، 50 ] . وقال تعالى عن المشركين : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ إلى قوله تعالى : فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [ المؤمنون : 68 - 71 ] . وقال تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا إلى قوله تعالى : يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 22 ، 23 ] . فالذين يحجّون إلى القبور هم من جنس الذين يحجّون إلى الأوثان . والمشركون يدعون مع اللّه إلها آخر ؛ يدعونه كما يدعون اللّه . وأهل التوحيد لا يدعون إلا اللّه ، لا يدعون مع اللّه إلها آخر ، لا دعاء سؤال وطلب ، ولا دعاء عبادة وتألّه . والمشركون يقصدون هذا وهذا ، وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا وهذا ، ومنهم من يصوّر مثال الميت ويجعل دعاءه ومحبته والأنس به قائما مقام صاحب الصورة ، سواء كان نبيّا أو رجلا صالحا أو غير صالح ، وقد يصوّر المثال له أيضا - كما يفعل النصارى - وكثيرا ما يظنون في قبر أنه قبر نبيّ أو رجل صالح ، ولا يكون ذلك قبره بل قبر غيره « 1 » ، أو لا يكون قبرا وربما كان قبر كافر ، وقد يحسنون الظن بمن يظنونه رجلا صالحا وليّا ويكون كافرا أو فاجرا ، كما يوجد عند المشركين وأهل الكتاب وبعض الضّلّال من أهل القبلة . وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرّعه الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لا إباحة ولا ندبا ، ولا استحبه أحد من أئمة الدين ، بل هم متّفقون على النّهي ، عن هذا الجنس كله . وقد لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الأحاديث المستفيضة الصحيحة ما هو أقرب من هؤلاء ، وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذّر ما فعلوا ، وأخبر أن من كان قبلنا كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . وقال : « ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » . فإذا كان قد نهى ولعن من يتّخذها مسجدا يعبد اللّه فيه ويدعو ، لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق صاحب القبر وعبادته ، فكيف بنفس الشرك الذي سدّ ذريعته ونهى عن اتخاذها مساجد لئلّا يفضي ذلك إليه ؟ فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي ، وهذا كما أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، وقال : « فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار » « 2 » . ونهى عن تحرّي الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة ، وإن كان المصلّي يقصد السجود للّه لا للشمس ، لكن نهى عن المشابهة في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد « 3 » . فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع
--> ( 1 ) قال المعلّمي : « كالقبر المنسوب لأمير المؤمنين علي في النجف ، هو في الواقع قبر المغيرة بن شعبة » اه . ( 2 ) جزء من حديث عمرو بن عبسة السّلمي ؛ أخرجه مسلم ( 832 ) وغيره . ( 3 ) قارن ب « اقتضاء الصراط المستقيم » ( 1 / 194 - 195 ) .